واشنطن وطهران والفراغ الرئاسي في لبنان

في الوقت الذي احتلت فيه الأحداث والمجريات الأخيرة في العراق شاشات التلفزة الفضائية والصحف والمواقع الإخبارية ومختلف وسائل الإعلام والتواصل ، ما يزال لبنان يعاني من أزمة الفراغ الرئاسي التي أصبحت إمكانية حلها أصعب بكثير من ذي قبل ، نتيجة الاهتمام العالمي بالملف العراقي وما يشكله هذا الملف وتداعياته من تأثيرات على المنطقة برمتها .
وفيما يصرُّ رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي – كما سبق وأن تحدثنا في مقالة الأسبوع الماضي - على أن العراق يتعرض لهجمة إرهابية تستهدف وحدته الوطنية من قبل جماعة دولة الشام والعراق (داعش) بهدف احتلال العراق وإعلان دولة الخلافة الإسلامية على أراضيه، يؤكد شيوخ العشائر أن ما يحدث في العراق هو ثورة شعبية بهدف إسقاط المالكي وحكومته وتشكيل حكومة انتقالية متعددة الأطياف للانتقال بالعراق إلى دولة العدالة والديموقراطية .
يحاول المالكي استخدام داعش لتشويه صورة ثورة العراق وجذب تعاطف ودعم ومساعدة أميركا والمجتمع الغربي ، حيث أعلن وزير الخارجية الأميركية جون كيري مؤخراً عن دعوته لكافة القادة العراقيين من أجل الاتحاد ومواجهة تقدم المسلحين الإسلاميين الذين يهددون بغداد ، وها هو كيري في المنطقة لهذه الغاية ، ناهيك عن مخاوف حقيقية أبداها قادة الغرب عموما من هذا التنظيم الإرهابي ومخططاته التي لا تقف عند حدود سوريا والعراق بل تشمل المنطقة والعالم كله ، خاصة وأن التنظيم المذكور أعلن أن من ضمن أهدافه " فتح روما " ، ولكم أن تتصورا طبيعة تفكيرهؤلاء وأحلامهم .
وبما أن العلاقات الأميركية – الإيرانية محكومة بكولسات وخفايا لا تُنشر في وسائل الإعلام ، ( نستذكر إيران جيت عام 1985 وغيرها ) فإن كل ما يذاع ويشاع عن أي ملف عالق بين الدولتين بما فيه الملف النووي تحيطه الشكوك ، فما يقال في السر لا يقال في العلن وبالعكس ، ومن ذلك اللقاءات السرية التي عقدت بين الجانبين في سلطنة عمان بعيدا عن وسائل الإعلام ، والتي أفضت إلى تقارب أمريكي إيراني مشهود ، ولولا أن الأستخبارات الإسرائيلية سربت النبأ لما أمكن التعرف على مثل هذه اللقاءات ، بل إن اتفاقا أمنيا وقع بين العراق والولايات المتحدة بمباركة إيرانية لا زال نافذا ، وبموجبه طلب المالكي وزيباري من الولايات المتحدة تنفيذ ضربات جوية ضد داعش في الشمال والغرب وأطراف الوسط " حزام بغداد " ، ولعل الـ 300 مستشارا أمريكيا الذين سيرسلون إلى بغداد لا يمكن أن تحط بهم الرحال هناك بدون موافقة الأيرانيين ، ومن أجل ذلك وغيره ، فليس الرفض الأميركي
الدكتور فطين البداد " الإعلامي " للتدخل الإيراني في الأزمة العراقية الحالية سوى ذر للرماد في العيون ، خاصة وأن أمريكا على علم بوصول الآلاف من حراس الثورة إلى المراقد المقدسة في النجف وكربلاء وبعض البؤر الحساسة في العاصمة ، وآن للجميع أن يعلم بأن ما يجمع أميركا وإيران هو أكثر مما يفرقهما ، وأن أحد أهدافهما المشتركة في الوقت الراهن هو الخلاص من أي مقاومة مسلحة على الساحة العراقية لضمان مصالحهما الإستراتيجية .
ولأن ما يحدث في العراق يؤثر قطعا على سوريا وبالعكس ، وما يحدث في سوريا ينعكس بالمحصلة على لبنان ، ولوجود إيران القوي في هذه البلدان ، فإن مصالح مشتركة بين واشنطن وطهران لا بد من صيانتها ، ومن هذه المصالح " لبنان " الذي يعاني من تدخلات دولية وإقليمية لا تخفى على أحد : فالفراغ الرئاسي في هذا البلد خطر داهم على الإستقرار ، ولأن إيران تمسك بأغلب أطراف اللعبة " الرسمية " في العراق ، وفي سوريا ، فإنه لا يخفى على أحد أنها تمسك بنصف اللعبة في لبنان ، وها هي - بنظر الأمريكيين - وجهة لا بد منها لإنهاء الفراغ الرئاسي اللبناني بالتنسيق مع مختلف اللاعبين ، ولقد حتم تفجير ضهر البيدر الأخير الذي اتهمت به داعش ، في ظل تقارير عن خلايا داعشية نائمة وعن محاولات تجري لوضع لبنان على خط الزلزال العراقي انطلاقاً من المناخ المشحون أصلاً على خلفية الأزمة السورية ، حتم على اللاعبين في لبنان الإلتقاء لإنهاء الأزمة السياسية والفراغ الرئاسي بأسرع وقت ، والأمر الآن خاضع لميزان الربح والخسارة ، فلقد سمعنا مؤخرا تصريحا إيرانيا عن أنهم مستعدون لتقديم العون بتشكيل حكومة وفاق في العراق إذا قدم الغرب تنازلات في ملفهم النووي ، وهم مستعدون لإنهاء ملف الفراغ الرئاسي في لبنان إن ضمنوا مصالح وحققوا أهدافا أقل ما يقال فيها : إنها انتهازية ، واستعمارية صفوية.
عبر كل الجلسات التي عقدها البرلمان اللبناني لانتخاب رئيس للبنان ، غاب نواب 8 آذار ، وإذا أريد لحزب الله وجماعته الحضور وتسهيل مهمة انتخاب رئيس لبنان المقبل ، فإن الأمر بحاجة لإيران للأسف ، ولقد آن الأوان أن يعرف اللبنانيون قبل غيرهم أن وطنهم بحاجة لوحدتهم واتفاقهم هم أنفسهم ، فما حك جلدك غير ظفرك ، كما وأن الحقيقة المرة التي على اللبنانيين تجرعها وأخذ الدروس منها ليحكموا أنفسهم بأنفسهم مستقبلا ، هي إن إنهاء الفراغ الرئاسي اللبناني لن يتم إلا بتوافق إيراني أمريكي ، أما العرب فصفر على الشمال .
تحرير المقال
عن الكاتب
مقالات مشابهة

ليست هناك تعليقات:

قال تعالى ( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )

أو يمكنكم الإتصال بنا من خلال النموذج التالي

الاسم بريد إلكتروني* رسالة*

التعليقات

تعليقات الموقع